الثلاثاء، 10 نوفمبر 2020

كيف تكتب رواية؟

 

إنّ الاعتقاد قوّة جبّارة لا يُستهان بها يمكنها أنْ تُحدِث طفرة ارتقائية في العقل البشريّ فيصبح بإمكانه القِيام بأشياء كان يُدرِجها ضمن الخوارق والمُستحيلات في حين على الصعيد الآخر يجَلّي بصيرته لاستئصال روافد راكدة حنّطت إبداعاته وطاقاته رِدحاً من الزمن،  لكنّه في الوقت ذاته يمكن أنْ يكون مُدَمِّراً إلى الحدّ الذي لا يمكننا بعده إعادة تجميع القطع المتناثرة والمُبعثرة من ذواتِنا جرّاء بَشَاعة التحطيم.

من الجدير بالذكر أنّ محاولاتنا إنتاج حلم لا تنتهي صلاحيّته قريباً على أرض الواقع تعتبر مَهمّة محفوفة بالمخاطر تستهوي الرغبة الصارمة في التقويض من أنفسنا أوّلاً قبل الآخرين، فمن السهل بما كان أنْ ننزلق إلى تقمّص أحلام الآخرين و الاستظلال بظِلالهم فنفقد التذكرة الوحيدة للرحلة الأوحد للوصول إلى حيث نكون ما يجدر بنا أنْ نكونَه، لذلك يتحدّث إيريك هوفر في كتابه المؤمن الصادق عن خُبث الذات في الإيقاع بنفسها في هذا الشرك المُمِيت فيقول :"إنّ محاولة التشويش على النفس وإخفائها لا تتحقّق إلاّ عن طريق التقليد ،أنْ نُصبح مثل الآخرين بقدر ما يُمكننا ،إنّ الرغبة في الانتماء إلى الآخر هي في الوقت نفسه رغبة في الإفلات من النّفس".

يستيقظ العديد من البشر من مختلف الشرائح العُمريّة في شتّى أصقاع العالم صباحاً محاولين استدراج أحلامهم الضائعة إلى زُقاق النور أو التقاطها و إقحامها في دائرة الإنجاز والتنفيذ إنْ وُجِدت.

من تلك الأحلام أنْ يصبح المرء كاتباً مُبدِعاً يَحجز لقلمه وكلماته مكاناً دافئا في أرواح من يشاركونه إيمانَه بأنّ الكلمة هي أفتك سلاح يُترك في متناول الأطفال البالغين ليلوّحوا به مُعِيدين تشكيل العالم .

لكنّهم يطلقون زمام أنفسهم إلى تهيُّؤاتٍ غالبا ما تودي بهم إلى موت كِتابيّ رحيم عندما تتكدّس الأفكار الرائعة في رؤوسهم ويغرقون خلف تلّة من الأوراق المنكوشة والمُجعّدة أو يفغرون أفواههم مُحملقِين إلى السقف لأنّهم يجهلونَ صياغة الحوار أو المشهد التالي.

إنّ هذا المنظور الجميل قد تكون مَغبّتُه وخيمة عندما يبيعك الوهم ويتسلّل إليه اعتقاد جانبيّ آخر مثل الحشائش الضارة المتطفّلة التي تستولي على حديقتك في غفلة من رقيب ،ينحاز العديد من المستيقظين على عذوبة هذا الحلم إلى فكرة ساذجة أنّ كتابة الرواية أمر لا يتطلّب مهارات معيّنة وأنّ الإجابة المُثلى التي تُفحِم بها شخص سألك كيف أكتب رواية ؟ هي اجابتُك إيّاه أحظر إضبارة ورق وابدأ في سكب الهُراء الموجود في رأسك في شكل بُقع متراصفة من الحبر.

يجيبنا على هذه المُفارقة المُضحكة الروائي وخبير الكتابة الإبداعيّة نايجل واتس صاحب كتابيّ كيف تكتب رواية وتنشرها و علّم نفسك كتابة الرواية

يقول نايجل :" هنالك اعتقاد شائع بأنّه لسبب كون أغلبنا مثقّفين وطَليقِي اللسان، فلا حاجة للتدريب إذا كنّا نريد أن نصبح ذوي كلامٍ عذبٍ ناجحين. هذا ما اعتقدته حتى حاولتُ كتابة روايتي الأولى، تعلمت في وقتٍ قريب أن الرواية مثل قطعة الأثاث، لديها مجموعة خاصة من المتطلبات، وقوانين بناءٍ يجب أن تتعلمها. مجرّد قراءتي الكثير من الروايات لا يعني قدرتي لكتابة واحدة، وكذلك الحال مع الكراسي، فلا يمكنني أن أصنع كرسيًّا لأنني جلستُ على الكثير منها"

إنّ الموهبة بكلّ ما فيها من سِحر لاتغني ولاتسمن من جوع إذا لم تشحذها بالممارسة اليوميّة للكتابة بحيث تصل إلى إقتناع أنّ كلّ نقطة على مسار روايتك تتراءى بِدقّة رأس الإبرة لكن هناك على رأس الإبرة يمكنك إقامة عوالم لامتناهية تُبهِج القارئين .

الصورة للنحّات المِيكروسكوبي البريطاني وِيلارد وِيغان تُجسّد الرؤية الخلاّقة التي أبدعها في صورة بيت داخل فتحة إبرة.

الصورة منقول عن موقع 

thechive.com



0 التعليقات:

إرسال تعليق

ابدأ العمل معي

اتصل بي
وتين نوفل
+213-553-153-269
الجزائر
يتم التشغيل بواسطة Blogger.