الأربعاء، 11 نوفمبر 2020

تقنيّات كتابة الرواية للمُبتدئين

 

من تبعات التأثير الحضاريّ على سِياقات التعبير لدى البشر أنْ فقدوا قداسة التلميح في مُقابل الإفصاح عمّا يعتمل في دواخِلهم فركنوا إلى الإيغال في الإشارة إلى الشيء المُراد وسمَه بشَهرِ سبّابتهم حتّى لتكادُ تَفقأ عين المُشارِ إليه.
فانزاحَ أسلوب من سلك هذا المسلك إلى تردّي السِمات الفنيّة على حساب سرعة الفهم والإستعاب واكتفوا بحجّة ضمان وصول الرسالة اللغويّة في أقصر وقت بأعلى ضمان بغضّ النظر عن الثوب الذي تلبّسته جملهم ولعلّ أشنع مايمكن أنْ تنطوي عليه هذه الرؤية في الكتابة السرديّة باختلاف الأجناس الأدبيّة هو حياكة حوار فضيع يتّكأ على المُباشرة ويُقصي التبطين الإيحائيّ الذي تزدان به النُوتات الحواريّة بحيث يكشف الحوار عن زخم وافر من المعلومات و النوايا ويقع هذا عندما تنتهج إحدى الشخصيّات المُحاورة أسلوباً رمزيّا يتأرجح بين المعاني وظِلال المعاني لدوافع خبيئة إذا أمعنّا النظر فيها أكسبتْ شخوصنا الروائيّة بُعداً دراميّا عميقاً لايُضاهَى قد يكون في أغلب الأحيان هو الفرق الذي يُحدث فارقا في الأعمال العظيمة التي أسرت القُرّاء لعُقود خلت.
 قد يتساهل الكثير من النُقّاد والكُتّاب مع هذه البؤرة الحيويّة لكنّها على الأجدر السِمة الخصيبة التي تُحيل أيّ عمل أدبيّ ابداعيّ أصيل إلى الصُمود أمام تقادم العنصر الزمنيّ...
يقودنا هذا إلى رؤية طيفيّة للأسلوبيّة السرديّة بحيث تكون هناك تيّارات كثيرة داخل وعاء عيّنة من المُحادثات العسيرة أو الماتعة مع أشخاص جذّابين أو صعاب المِراس، تسري تلك التيّارات تحت ماتراه العين مجرّد تراكيب لغويّة تتراشق بها شخصيّتان روائيّتان.
 في كتابها "اكتشاف الكذب" كشفت باميلا مِيير النقاب عن حقيقة علميّة مفادها أنّ الكذب عمل تعاونيّ بإمتياز...تقول: "الكِذبة ليست لديها سُلطة لمجرّد أنّها كلام، تتنامى قوّتها عندما يوافق شخص آخر على تصديقها "
يتمّ إسقاط هذا المنحى على حوار مبطّن تصرّح فيه شخصيّة روائيّة ما بما يتعارض مع تيار نواياها الداخليّة سعيّا وراء نيّة مبيّتة لتضليل الطرف الآخر عن القصد الحقيقيّ أو للحصول على تغذية إسترجاعيّة عند امتصاص ردّت فعل شريك الحوار تُجاه نقطة محوريّة ما فيكون الناتج ثلاث تيّارات على الأقل:
1/تيّار النوايا الحقيقيّة
2/تيّار النسق اللغويّ
3/تيّار النيّة المُبيّتة على المدى الاستشرافيّ البعيد
هذا التداخل يجعل شخصيّتك ناصعة ومُتبّلة في الآن ذاته...هذا التنميق الخِداعي هو أحد المهارات المُتقدّمة التي يجب على الكاتب أنْ يُلمّ ويتمرّس عليها حتّى ينفذ بقالب الشخوص إلى ملامسة كيان القارئ الذي هو الآخر جرّب طقوس الكذب في مكان ما...في وقت ما مع شخص ما .
تتحدّث باميلا مِيير عن مبدأ شخص يُدعى هِنري أوبَر لاندَر تقول السلطات البريطانيّة أنّ هذا الشخص المُحتال بإمكانِه تقويض النظام المصرفيّ للعالم الغربيّ بأكمله ،هذا الشخص لايمكنك العثور على أيّ معلومات موثوقة تزيد عن خمسة عشر سطراً عنه في محرّك البحث غووغل، على مرّ التاريخ أُجريَت معه مقابلة واحدة قال فيها :"كلّ شخص يرغب في منحِك شيء ، هو مُستعد لمنحِك ذلك الشيء مُقابل ما هو مُتعطّش له لديك"
وعليه عند توظيف قاعدة هنري المُحتال في مجال الكتابة الإبداعيّة نرى بجلاء أنّه من الضرورة بما كان أنْ تلمّح إلى الحمولة الضِمنيّة التي تردّ بها شخصيّة روائيّة على سؤال ما، فهي تمنح السائل والقارئ على حدّ سواء إجابة تشتمل على دفقة ممّا هي متعطّشة له في عمق نواياها ،هذا التكاثف هو ما يجعل شخصيّات سينيمائيّة وروائيّة مقاومِة للنِسيان أو الإندثار.


0 التعليقات:

إرسال تعليق

ابدأ العمل معي

اتصل بي
وتين نوفل
+213-553-153-269
الجزائر
يتم التشغيل بواسطة Blogger.