الجمعة، 13 نوفمبر 2020

كيف تكتب حواراً روائيّاً ناجحاً؟

يتّفق جُلّ الكتّاب والروائيين على أنّ الحوار هو أهمّ العناصر الروائيّة الفاعلة في سبر أغوار النصوص المطروقة وتكثيف أداءات الشخوص بحيث تبدو عفويّة ومقنعة بالنسبة للقارئ حيث يمهّد الحوار الطريق للإنزلاق عبر الجسر الذي يربط الواقع ببيئة الرواية المُتَخيّلة..وكلّما أغرَق الكاتب في استعراض عضلاته السرديّة كلّما حاد عن الغرض المقصود ونضرب لهذا مثالا حدث مع الرسّام الشهير بابلو بِكاسو فبينما هو يتجوّل ذات ظهيرة في السوق ‘إذْ اقتربت منه عجوز بشوشة ضامرة فحيّته وألحّت أنْ يرسم لها رسمة تُهديها إلى حفيدتها إزابيلا في عيد مِيلادها فما كان من بابلو إلاّ أنْ يُذعِنَ لطلبها التفتَ حواليه فألفى ورقة من نباتِ أذنِ الفأر الخنجريّ ،انحدر عليها ضاغطاً برأس عود تخليل الأسنان بقيَ يلوكه منذ تناوله وجبة الغداء وقال صِفيها لي فوصّفتها بدقّة متناهية وبعد سبع دقائق دفع بابلو نحو العجوز ورقة منمنمة عليها صورة فتاة ذهلت العجوز عن نفسها وقالت مُستنقِصَة ذلك...هذا فقط؟

ردّ بابلو صوتٍ هادئ، الورقة التي بين أناملك سكبتُ عليها كلّ ما عرفته زُهاءَ أربعين سنة ونيّف...

إنّ الحِرَفيّة المُسهَبة في الحوار سمّ زُعاف من شأنه قتل أو شلّ الشخصيّات الضالعة في الحوار فلا أصعب على أيّ فنّان في العالم أنْ تطلب منه ممارسة فنّه دون أنْ يبدو ذلك فنّاً.

فوائد الحوار :

1/يُفرغ الحوار دفقاً من المعرفة حول العادات والفضاء الروائيّ وحتّى الأنماط السلوكيّة والطبائع التي تشدّ خيوط الفعل الدرامي لكلّ شخصيّة في الإتجاه الذي ذهبت إليه ولِما فعلت ذلك بما يخدم التقدّم نحو انفراج الحُبكة.

2/يتحدّث كونديرا عن الحُبكة المائعة ويشبّهها بالحساء الذي دُلَق عليه كمّ وافر من الماء ففقد نُكهته، يُشير إلى أنّ ما يجعل الحُبكة كثيفة و متبّلة هو الحوار الفنّي الذي يبدو عديم الفنيّة..ذاك الذي يُراعي التدرّجات اللغويّة ويُسقِط نوازع الشخصيّة في لمسات راقية تشبه خيوط الرُتَيلاء.

3/يصرّح ستيفن كينغ في تعريفه للحوار بأنّه "الجزء الصوتيّ من العمل الروائيّ"

وبوضع كلمة الصوتيّ ضمن الوِعاء الدلاليّ لها نُلزِم أنفُسنا بحتميّة رؤية هذا الصوت في معلمه المتعامد والمتجانس بحيث تكون هناك دَوزَنة بين صوت الشخصيّة مع أجزائها النافرة من جهة وصوت الشخصيّة خطيّاً مع من تتحدّث إليه لحظة الحوار. وبتجميع مَعْلَمَيّ شخصيتين متحاورتين معاً نتبيّن غَزْلاً من الاحتمالات النقيّة التي يمكن أنْ يوظّفها الكاتب الألمعيّ لعَقد وُصلة مع صوت واحد أو أكثر من أصوات القارئ. 

4/يمنح الكاتب أداة مُجدية وحاسمة لسحب القارئ نحو الأرض الجديدة وجعله يختبرها بكونه فاتحاً لها.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

ابدأ العمل معي

اتصل بي
وتين نوفل
+213-553-153-269
الجزائر
يتم التشغيل بواسطة Blogger.