الاثنين، 9 نوفمبر 2020

طقوس الكتابة الروائيّة

 
لكلّ كاتبٍ طقوس...تلهمه...تقدَح زناده...تُشذّب الموجة الدماغيّة النافرة التي يستيقظ بها أو التي يتبنّاها بمِزاجيّة حين تختبأ شخوصه حاملة في جيوبها كلمات نصّه فتكون تلك أصعب لعبة غميضة وأكثرها تثبيطا على الإطلاق...إنّ الّلذين يزهدون في هذا...ما فقهوا اللعبة بعد...الكتابة لعبة نرد جامحة...بل أكثر جموحاً من فرَس ثوروبريد عَصِيٍّ، ركض إلى وَهْدٍ قَصِيّ... فقط رُقعتك تغدو أوراقك....شاشة حاسوبك الوسيعة...ردف نافذة حمّامك المضبّبة... يد حبيبتك....وُرَيقة السعوط الهيفاء...جدارُ جارتكم العجوز التي لا تتورّع عن سحبك مهلهلاً على وجهك إلى مركز الشرطة بسبب خدوشك الرذاذيّة على الجدار...هَبْ أنّ كلّ أنملة من كفّك التي بها تخُطّ ...وبجعاتِ أفكارك التي على الورق تحطّ ...وجهٌ غامِرٌ من وجوه النرد ...تلقي خلالها رميتَك الشَقلبيّة...ولا تدري احتمال فوزك بالأغلبيّة...لكنّك تجازف في التباري...بعض الكتّاب يمزج في فهمه بين الإلهام والطقوس الكتابيّة...لكنّهما شيئان مختلفان...سنفكّك في هذا المقال المتواضع طوطم الطقس وشيفرته ونرجأ حديثنا عن الإلهام إلى كتابات أخرى
من أين يأتي الطقس
الكتابي عند الروائيين؟
وفق نظريّة روبرت
شيلدريك المثيرة يتحدّث هذا البروفيسور الألْمَعيّ عن فكرة الحقل المورفولوجي
الطاقيّ الذي يرى أنّ الأفكار طاقة خام ذات طبيعة موجيّة وأنّ كلّ أفكار مُبدِعِي

البشرية بغض النظر عن أعراقهم...أديانهم...لغاتهم بغض النظر عن كل هذه

الفوارق...لازالت تلك الأفكار سابحة في بُعد لامرئيّ...وأنّ كلّ إبتكار
معرفي...فنّي ،صناعي،روائي كلّ ذلك ليس عدا عمليّة إجترار كونيّة في صدارة
شروطها حدوث تزامن موجيّ بين دماغ المبدع وذبذبة الحقل الطاقيّ الذي يبغي استجلاب
ثرائه هذا مايطلق عليه بوَصْل القابس...وهنا يمكننا بعد هذا التقديم أنّ نحدّد
معنى الطقس بالنسبة للعقل الروائي وأقول العقل -بتحفّظ شديد- لأنّ ما تحدّثت عنه
آنفا باعتباره موجة دماغيّة إنّما هو في حقيقته موجة كيانيّة تنتهي إلى تذبذب
الكروموزومات الوراثيّة صِغراً وتمتدّ إلى التذبذب الجسدي للهالة اللامرئية المحيط
بنا والتي يمكن تجليتها للرؤية باستخدام جهاز كيريليان...ومنه في اللحظة الأولى
التي يحصل فيه الوصل بين موجة كيان الكاتب والحقل الكوني تتوّلد لدينا حالة
مزاجيّة من الكَشْف والبصيرة في شكل ومضة فيسجّل جسدنا وعقلنا المسار الذي توصّل
به الكاتب إلى تحقيق هذا الاندماج الطاقي الخلاّق..والذي لايدوم طويلا ولا توجد
طريقة لابقائه صامداً أمام عنصر الزمن والمتغيّرات الحياتيّة...بعد ارتفاع موجتنا
إلى قمّتها الشمّاء تعاود الانحدار إلى السفح الذي قد يكون حيث كنّا قبل الصعود أو
قد ننحدر أسفل من النقطة التي انطلقنا منها بادئا، أنبّه إلى أنّ هذا الصعود
والهبوط أمر صِحّي لإحداث التوازن المطلوب وابقاء شرارة الابداع طافية...عندما
يتكرّر الأمر...مرات عدّة يسجّل عقلنا اللاواعي خارطة طريق واضحة المعالم لتحقيق
ذلك الاتصال بأيسر السُبل وفي أقل وقت ممكن وبأيسر جهد فتتحوّل إحداثيّات الالتحام
المبارك بين موجة كيان الكاتب والحقل الكوني إلى عادة ثمّ تتراكم جرعات المكافئة
الناجمة عن هذا التعاضد المذهل والغامض والتي تكون في شاكلة بنات أفكار وومضات
إبداعيّة فذّة...حتّى إذا تكرّرت تلك العادات أكثر من 3000 مرّة كما يقول خبراء
الذاكرة شيّد العقل لها طريقا عصبيّا سيّاراً جديداً لديه وجود عضويّ حقيقي لم يكن
موجوداً عندما بدأ الأمر كلّه ...حتى يأتي اليوم الذي يستطيع فيه الكاتب معرفة متى
بدأ بفعل ذلك الطَقس أوّل مرّة عندها تغوص قناة الاتصال في محيط اللاوعيّ كما
يختفي الجسر الذي يصل حافة الميناء مع موضع اصطفاف ورًسوّ العبّارات
الوافدة...عندها فقط سيكون باستطاعة الكاتب إحداث طفرة في مزاجه ومخزون طاقته
ومداه الرُؤيَويّ فيدبّ النشاط فيه مكان الخمول والثراء الذهني مكان النُضوب....قد
يرى الناس تلك الطقوس على أنّها شذوذ أو جنون لكنّه يراها المنفذ السحريّ إلى أرض
السحر والجمال والأداء العالي الذي نكن لنسمو إلى معانقته لولا استعدادنا المتمثّل
في التقبّل والانفتاح فلا يستسيغ أنسام القمم السامقة من لم تقبّل أقدامه حافية
شفاه الوديان الزرقاء السحيقة.
ملاحظة: كان هذا
تحليلا عامّا لماهيّة الطقوس وهو توطئة لسلسلة أعتزم تقديمها تتناول كلّ كاتب
وطقسه على جنب مع التطرّق إلى شرح الإسقاط النفسي لذلك الطقس...ستكون البداية مع
الرائع دان براون صاحب الباع الطويل والمائز في الكتابات الرمزية الغامضة المتبّلة
بعالم المؤامرة والجريمة...هذا الكاتب الذي كان لا يهتدي للجلوس إلى مأدبة الكتابة
إلاّ وهو معلّق رأسا على عقب...تابعونا وشاركوا حتى تعمّ الفائدة.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

ابدأ العمل معي

اتصل بي
وتين نوفل
+213-553-153-269
الجزائر
يتم التشغيل بواسطة Blogger.